TSK
WRITTEN BY
TSK
11 أكتوبر, 2026

مشاعر كبيرة... وحدود واضحة

مشاعر كبيرة... وحدود واضحة - Big Feelings Clear Boundaries

قد يكون التعامل مع سلوك الأطفال في مرحلة السنوات المبكرة أمراً محيّراً، وهو من أكثر الموضوعات التي يسألنا عنها أولياء الأمور. فالأطفال الصغار يتعلّمون الكثير عن العالم من حولهم، ويستوعبون باستمرار ما هو مقبول وما هو غير مقبول.

من الطبيعي والمتوقع في هذه المرحلة من نموهم أن يختبر الأطفال الحدود ويجرّبوا خيارات مختلفة، ليتعرّفوا إلى ردود الفعل التي تترتب على كل منها. وفي الوقت نفسه، يتعلّمون التعامل مع مشاعر جديدة وقوية. فقد يبدو الطفل هادئاً ومستقراً تماماً في لحظة، ثم يدخل في نوبة انفعال شديدة لأنه حصل على الكوب الخطأ، أو طُلب منه مغادرة الحديقة، أو قيل له إنه لا يستطيع تناول قطعة بسكويت أخرى. قد يبدو ذلك غير منطقي بالنسبة للكبار، لكنه في كثير من الأحيان لا يكون كذلك بالنسبة للطفل الصغير.

فالأطفال الصغار لا يزالون يتعلّمون كيفية التعامل مع الإحباط وخيبة الأمل والاندفاع والمشاعر القوية. والانتظار، ومشاركة الآخرين، وتقبّل الخسارة، والتعامل مع كلمة «لا»، والتعبير بهدوء عما يحتاجون إليه، ليست مهارات يولد الأطفال وهم يتقنونها، بل تتطوّر لديهم بمرور الوقت، من خلال الدعم والتكرار والكثير من الممارسة.

لكن هذا لا يعني أن السلوك الصعب ينبغي تقبّله ببساطة. بل إن وضع حدود واضحة وثابتة يُعد من أهم ما يمكن أن نقدمه للأطفال الصغار.

قد ينزعج الطفل عندما نضع له حداً معيناً، لكنه يظل بحاجة إلى أن نتمسك بهذا الحد. فيمكننا مثلاً أن نقول: «أعرف أنك كنت تريد قطعة بسكويت أخرى، لكن الإجابة لا تزال لا»، أو: «أنت غاضب، لكنني لن أسمح لك بالضرب».

فالحزم والاحتواء لا يتعارضان.

وهناك سبب آخر يجعل الحدود مهمة: تخيلوا طفلاً في الثالثة من عمره يشعر فعلاً بأنه المسؤول وصاحب القرار في كل شيء. قد يكون هذا الشعور مخيفاً بالنسبة إليه.

يحتاج الأطفال الصغار إلى الشعور بأن الكبار من حولهم هادئون وقادرون على تولّي الأمور مع المواقف التي قد تفوق قدرة الطفل على التعامل معها. فالحدود الواضحة تحمل للطفل رسالة مفادها: لست مضطراً إلى أن تكون مسؤولاً عن كل شيء. أنا هنا وسأتولى الأمر.

هذا الشعور بالثبات والقدرة على توقّع ما سيحدث يمنح الطفل قدراً كبيراً من الطمأنينة.

وقد يكون من المغري، خصوصاً عندما يكون الطفل منزعجاً بشدة، التراجع عن أحد الحدود لمجرد إنهاء حالة الانفعال.لكن الأطفال لا يحتاجون منا إلى إزالة كل شعور صعب يمرون به.بل يحتاجون إلى أن يتعلّموا أن بإمكانهم التعامل مع خيبة الأمل، وأن من حقهم أن يغضبوا ولكن ليس أن يؤذوا الآخرين، وأن كلمة «لا» يمكن أن تظل تعني «لا» مهما كانت مشاعرهم قوية.

كما أن التعامل مع السلوك لا يعني تجنّب العواقب. ففي بعض الأحيان، يكون من المناسب أن تترتب على السلوك غير المناسب أو غير المرغوب فيه عواقب، على أن تكون منطقية ومرتبطة بالسلوك نفسه.

فإذا كرر الطفل رمي لعبة، قد يكون من المناسب إبعادها عنه. وإذا سكب الماء عمداً على الأرض، يمكنه المساعدة في تنظيفه. وإذا آذى شخصاً آخر، يمكننا مساعدته على تصحيح الموقف.

أما العقاب غير المرتبط بالسلوك، والذي يأتي بعد وقت طويل، فعادة ما يكون أقل فائدة. فالأطفال الصغار يتعلّمون بشكل أفضل من العواقب الفورية التي ترتبط مباشرة بما حدث ويمكنهم فهمها. 

ومن المفيد أن نسأل أنفسنا:

ما الذي أحاول فعلاً أن أعلّمه للطفل في هذا الموقف؟

غالباً ما يقودنا هذا السؤال إلى استجابة أفضل بكثير من مجرد التفكير في كيفية إيقاف السلوك.

ومن المهم أيضاً أن نتذكر أن ذروة نوبة الانفعال نادراً ما تكون الوقت الأنسب للتعليم. فعندما تطغى المشاعر على الطفل، لا يكون في أفضل حالة للاستماع إلى شرح مطوّل أو التفكير بهدوء في ما حدث.

لذلك، من الأفضل أن تكون رسالتنا بسيطة:

«أعرف أنك غاضب. لن أسمح لك بالضرب».

وبعد أن يهدأ، يمكننا تعليمه ما يستطيع فعله بدلاً من ذلك: «كنت غاضباً لأنك أردت اللعبة. في المرة المقبلة يمكنك أن تقول: هل يمكن أن يأتي دوري؟»

فالسلوك مهارة تُكتسب، شأنه شأن أي مهارة أخرى في مرحلة السنوات المبكرة. وكما أننا لا نتوقع من الطفل أن يكتب اسمه بإتقان بعد أن نريه الطريقة مرة واحدة، لا يمكننا أن نتوقع منه أن يتقن المشاركة والانتظار والتعامل مع الإحباط واستخدام الكلمات بدلاً من الضرب منذ المحاولة الأولى.

فهو يحتاج إلى القدوة والتكرار والتذكير، وإلى فرص كثيرة للمحاولة من جديد. وهنا تظهر أهمية الثبات في التعامل. فقد يحتاج الطفل إلى سماع العبارات نفسها ومواجهة العواقب نفسها مرات عدة، قبل أن يتمكن من اتخاذ الخيار المناسب في الموقف نفسه.

فالهدف ليس تربية أطفال لا يغضبون أبداً، ولا يعترضون، ولا يتخذون خيارات خاطئة. بل مساعدتهم على أن يتعلّموا تدريجياً كيفية التعامل مع هذه المواقف باستقلالية متزايدة.

ولتحقيق ذلك، يحتاج الأطفال إلى علاقات قائمة على الاهتمام، وإلى تعامل هادئ من الكبار، وحدود واضحة. 

وهنا، لا نبحث عن الكمال، ولا عن العقاب المستمر، ولا عن التراجع عن الحدود لمجرد أن مشاعر الطفل قوية.

في بعض الأحيان، تكون أكثر رسالة يحتاج الطفل إلى سماعها هي:

«أعرف أن هذا صعب عليك. أنا هنا إلى جانبك. لكن الحدود ستبقى كما هي».